البشير الدمناتي يمنح “ولادة متجددة” لأعماله في معرض بطنجة

افتتح مساء الخميس برواق “دولاكروا” التابع للمعهد الفرنسي بمدينة طنجة معرض للفنان التشكيلي المغربي البشير الدمناتي بعنوان “ولادة (معادة)”.

ويضم المعرض، الذي سيبقى مفتوحا أمام الزوار إلى غاية العاشر من مارس المقبل، 41 لوحة تشكيلية إلى جانب 4 منحوتات من إبداع الفنان التشكيلي العصامي البشير الدمناتي، والمستوحاة من التوجه الفني التجريدي الهندسي.

في بلاغ تقديمي للمعرض، أشار الناقد بيير باسكال الى أن “دقة فنية متناهية تسِم أعمال البيشير الدمناتي”، مضيفا كما “تستوقفنا تلك المُسْحةُ الشَاعرية ونحن ننفذ إلى أعماله أو ننصت إليها، فإبداعاته الفنية تخاطب وتستنفر مختلف الحواس، حيث تساهم الألوان والأشكال جنبا إلى جنب في التعبير عن إدراكات ومشاعر وأصوات …”.

وأضاف الناقد أن المقاربة الإبداعية للدمناتي هي أيضا لقاء بين الحواس والعقل، مستشهدا في هذا الصدد بقول التشكيلي نفسه إن “كل أبحاثه التجريبية حول التقنيات التشكيلية الجدية يوجهها العقل-الإحساس”، موضحا انه عندما نسأله عما يدفعه إلى الإبداع، يجيب دون تردد أنه البحث عن الجمال والانسجام، “الانسجام المثالي الذي يوحّد بين الأشكال والأضواء والألوان، بحث عن أعماق لا حدود لها”.

وتابع “تحضنا أعمال الدمناتي على إعادة ابتكار نظرتنا، فيما هي تتلاعب بتوجهات الأبعاد ومعانيها، ذهابا نحو خلخلة كل الحواس، حسب العبارة الأثيرة لدى رامبو، في دعوة إلى معانقة المادة-العالم، وصولا إلى مفهوم “الكل هو الكل” للفنانين الذين لا حدود لهم سوى خيالهم”.

يكشف البشير الدمناتي، أكثر من أي وقت مضى، عن جرأة وشباب وحيوية تثبت أنه كان وسيظل أحد أبرز الأسماء الفنية في الفن المغربي المعاصر.

على هامش افتتاح المعرض، قال البشير الدمناتي لمكيروفون M24، القناة الإخبارية التابعة لمجموعة وكالة المغرب العربي للأنباء، إن “ربي أعطاني موهبة، وكل أعمالي هي اجتهاد وبحث خاص”، مشيرا إلى أن “هذا المعرض فيه أفكار واضحة، فأعمالي تنتمي لما يسمى الفن التجريدي الهندسي، وفن النحت الهندسي”.

وأضاف أن الفنانين المتخصصين في هذا التوجه كانوا أربعة بشمال المغرب، ويتعلق الأمر بالفقداء محمد شبعة ،محمد الملحي ،ومحمد أطاع الله، وعبد ربه الذي قارب عمره الثمانين”، معتبرا أن الأفكار التي يعبر عنها في إبداعاته خلال السنوات العشر الأخيرة، هي أفكار تولدت في سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

وأشار إلى أنه يحاول الاكتشاف والاشتغال بتقنيات جديدة ومغايرة سواء على الورق أو القماش أو مادة “البليكسي غلاس”، باستعمال أصباغ الأكريليك أو الزيوت أو بعض الأصباغ الخاصة المستعملة في زجاج نوافذ الكنائس.

ولخص مدير المعهد الفرنسي بطنجة، أوليفيي غالان، أن البشير الدمناتي، الذي ما زال يبدع وهو في هذا السن، هو رسام معاصر ذو شهرة بالمغرب، كما ساهم في تطوير الفنون البصرية بالمغرب.

وأشار إلى أن المعرض يقترح على الزوار لوحات اشتغل عليها الدمناتي أواخر خمسينات وستينات القرن الماضي، ولوحات أخرى من رحم إبداع بداية الألفية الجديدة، معتبرا أن “عمله استثنائي قادر على عبور الزمن، ولوحاته مكونة من مواد مختلفة”.

واعتبرا أنه “على عكس ما يعتقده الكثير من الناس، من أن أعمال التجريدي الهندسي هي أعمال بسيطة إبداعها متاح لأي كان، لكن في النهاية، أثبت البشير الدمناتي أنها تحتاج جهدا وتفكيرا ضروريين لإبداع كل اللوحات المعروضة برواق دولاكروا”.

وولد البشير الدمناتي، بحي أمراح بالمدينة العتيقة لطنجة سنة 1946، وهو طفل كان ينظر بدهشة إلى السياح المتجولين في أحياء المدينة، وخاصة أولئك الذين يضعون مَسْنَدَ لوحاتهم أسفلَ القصبة. في لحظات الانبهار تلك، كانت تستبد به الرغبة في تقليدهم، أن ينفخ الحياة في مشاهد ويجعلها أكثر حياة على الورق من تلك التي نشاهدها في الواقع.

وشكلت مشاركته في ورشة رسم بثانوية ابن الخطيب حافزا له على الانخراط في عالم الفن، حيث أنجز سنة 1961، وهو في سن الخامسة عشرة، عملا يَعُدُّه أول أعماله التشكيلية ذات التوجه التجريدي الهندسي، بعنوان “الأهرامات”.

عاد إلى المغرب بعد تخرّجه من المدرسة الوطنية العليا للهندسة المعمارية والفنون البصرية ببروكسيل، والتحق بأحد مكاتب الهندسة المعمارية في الشمال، دون أن يمنعه ذلك من مواصلة تجاربه التشكيلية التي تُوِّجَت بمعرض في “الكازينو البلدي” سنة 1971، حيث استرعت أعماله اهتمام الفنان محمد المليحي.

انفتحت سبل الإبداع الفني في وجهه، ليصبح أحد أبرز الأسماء ضمن “مدرسة الدار البيضاء”، وعضوا مؤسِّسا للجمعية المغربية للفنون التشكيلية. ومع ذلك، يرفض الدمناتي الانتساب إلى أي مدرسة أو تيار فني، فهو حسب تعبيره فنان ضمن فنانين آخرين “يساهم في البحث التشكيلي الكوني”.

حضر بقوة في الساحة الفنية وتوالت إبداعاته بوتيرة كبيرة خلال عقدين من الزمن، ليتوقف هذا العطاء الغزير بسبب حادثة سير رهيبة أدخلته في حالة غيبوبة وضعت حدا لأنشطته الفنية.

وفي سنة 2014، عاد من جديد إلى مرْسَمِه، وقدم في رواق محمد الدريسي معرضا استعاديا لأعماله، كي يرى “إن كان الطنجاويون لم ينْسُوه”، كما أسرّ بذلك بتأثر كبير، في اللحظة التي يحتفي فيها “كاليري ديلاكروا” بهذا الفنان، ويُنزِله المكانةَ التي يستحقها في المدينة التي كان يطلق فيها العنان لأحلامه، قبل سبعين سنة تقريبا، مشدوها أمام السياح بمساند لوحاتهم.