مشاريع طنجة الثقافية تبرز جهود الحفاظ على الهوية التعددية للمغرب

- بقلم عبد العزيز حيون -

تعكس مشاريع طنجة الثقافية، المحدثة أو في طور الإنجاز، الرؤية النيرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس للمحافظة على الهوية التعددية للمغرب عموما، ومدينة طنجة خصوصا، باعتبارها مدينة انصهرت فيها الحضارات وتعايشت فيها الثقافات والأمم.

هي مجموعة من البرامج الثقافية التي كانت ثمرة البرنامج الملكي “طنجة الكبرى” أو غيره من البرامج والمشاريع الرامية إلى تمكين طنجة من تحقيق تنمية مندمجة ومتوازنة وشاملة، والارتقاء بها إلى مصاف الحواضر الكبرى بحوض البحر المتوسط، المتسم بتعايش وتلاقح الحضارات والثقافات.

وبرنامج تأهيل وتثمين المدينة العتيقة لطنجة 2020- 2024، وقبله برنامج “طنجة الكبرى”، مثال حي على العطف المولوي الخاص على مدينة البوغاز، التي عرفت في عهده الزاهر قفزة نوعية في كل المجالات الحيوية، وخاصة قطاع الثقافة والعناية بالموروث المعماري والتاريخي لحاضرة طنجة.

هذه البرامج تسعى للحفاظ على تراث طنجة، المدينة المليونية المتجهة نحو المستقبل وفق مسار يراعي التنمية المتوازنة، إذ أن مشاريع التأهيل الثقافي تروم تمكين طنجة من صون أشهر المعالم والحفاظ على ذاكرة أشهر الأعلام والأدباء الذين مروا بها، إلى جانب تشييد بنيات ثقافية جديدة وعصرية في مستوى ثاني أهم قطب اقتصادي بالمملكة.

هذه المشاريع استهدفت أهم المعالم التي تشكل رصيد طنجة التراثي، من بينها على سبيل المثال لا الحصر مغارة هرقل الشهيرة، و”فيلا هاريس” والمنتزه الحضري “بيرديكاريس” (غابة الرميلات)، ومنارة كاب سبارطيل، والشروع في تأهيل حلبة مصارعة الثيران (بلاثا طورو)، كما تم إطلاق مشاريع بنيات جديدة، من بينها على الخصوص قصر الفنون والثقافات.

وضمن برنامج تأهيل وتثمين المدينة العتيقة لطنجة (2020 – 2024)، سيتم تنفيذ عمليات تأهيل جديدة للنسيج العمراني لهذه المنطقة، حيث يقوم على محاور تتمثل في “تأهيل المجال العمراني”، و”ترميم وتأهيل التراث”، و”ترميم وتأهيل أماكن العبادات”، وتقوية الجاذبية السياحية والاقتصادية للمدينة العتيقة، والنهوض بتراثها الحضاري والإنساني، وتحسين دخل الحرفيين والصناع التقليديين.

العناية بالمجال العمراني تشمل إظهار وإبراز الكنوز العمرانية للمدينة العتيقة، من بينها على الخصوص “دار النيابة” و “سجن القصبة” و”فندق الصياغين” و”فندق الزرع” و “برج النعام” و”برج بن عمار” وسينما “ألكاثار” وضريح ابن بطوطة والمعهد اليهودي السباك، وعدد من الأبراج التاريخية على أسوار القصبة.

كما طالت عمليات الترميم جنبات مقهى الحافة التاريخي الشهير، و حجرة غنام والمقابر البونيقية، وشرفة برج الحجوي المطلة على ميناء طنجة، وبناية “ريتشاوسن” المميزة بساحة المرسى، التي شيدت في بداية القرن العشرين (1905) وتمثل إحدى بدايات التطور العمراني للمدينة من جهة الميناء، فضلا عن تأهيل وتثبيت المنازل الآيلة للسقوط بالمدينة العتيقة لطنجة.

ويندرج هذا المشروع، الذي خصص له غلاف مالي بقيمة 850 مليون درهم، في إطار رؤية للتأهيل الشامل لسبع مدن عتيقة بالشمال، في أفق خلق منتوج سياحي خاص بالجهة، وتوفير شبكة من المدن العتيقة المرتبطة على الصعيد الجغرافي، وتحقيق الجاذبية السياحية والاقتصادية والاستثمار في التنمية المحلية، عبر العناية بالتراث المادي واللامادي.

ويسعى البرنامج إلى إدماج المدينة العتيقة في الدورة السياحية والاقتصادية عبر تطوير الخدمات السوسيو – ثقافية، وإحداث فضاءات للصناعة التقليدية والمنتجات المحلية و تحسين الولوج الى المواقع التاريخية، والنهوض بالمسارات السياحية وتشجيع إحداث المتاحف وقاعات للسينما والمسارح.

وتعد المدينة العتيقة لطنجة، كباقي المدن العتيقة بالجهة، جوهرة معمارية حقيقية، حيث يتماشى برنامج تأهليها ورؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس للحفاظ على التراث الوطني لفائدة الأجيال الصاعدة، خاصة وأن طنجة شكلت عبر قرون من الزمن رمزا للتعايش ومصدرا لإلهام فنانين من آفاق متعددة.

وقد حقق البرنامج، بالرغم من الإكراهات التي فرضتها جائحة فيروس كورونا، تقدما كبيرا في إنجاز المشاريع المسطرة ضمنه.

هي مرحلة جديدة تسعى فيها مدينة طنجة إلى استعادة وهج الماضي بفضاءات ومعالم ثقافية تشكل إضافة نوعية على مدينة راهنت على الصناعة والاقتصاد، دون أن تغفل عن ماضيها الثقافي العريق، الذي استقطب فنانين من مختلف بقاع العالم.