طنجة تطوان الحسيمة :

منجزات كبرى وآفاق واعدة :

جهود سنوات من التنمية بدأت ترسم ملامح جديدة لجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، الجهة التي تتبوأ مكانة القاطرة الاقتصادية والاجتماعية لوضع المغرب في مقدمة البلدان الصاعدة سواء بالقارة الإفريقية أو بحوض البحر المتوسط.

طنجة تطوان الحسيمة بالارقام :

وتزخر جهة الشمال بواجهتين بحريتين على الجهة الشمالية الغربية لسلسلة جبال الريف، حيث تمتد على مساحة تصل إلى 17 ألفا و 626 كيلومترا مربعا، ويقطن بها ما يقارب 3 ملايين و 557 ألف نسمة، من بينهم حوالي مليونان و124 ألف نسمة بالوسط الحضري، وتضم جهة الشمال عمالتين وستة أقاليم (طنجة – أصيلة، المضيق – الفنيدق، تطوان، شفشاون، الحسيمة، العرائش، وزان، الفحص – أنجرة).

بموقعها الاستراتيجي بمضيق جبل طارق، استأثرت جهة طنجة – تطوان – الحسيمة بمشاريع هائلة في مجال البنيات التحتية والصناعة والفلاحة والسياحة، جعلت من المنطقة قطبا اقتصاديا متكاملا ومطرد النمو، حيث انتقلت مساهمة الجهة في الناتج الداخلي الخام خلال العام الماضي من 10.1 في المائة إلى 10.2 في المائة العام الحالي.

ورش مفتوح :

وبفضل العناية الخاصة التي يوليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى هذه المنطقة، تحولت الجهة منذ سنوات إلى ورش مفتوح، حيث تم إطلاق مخططات للتنمية المجالية وبرامج لإحداث المناطق الصناعية والتجارية والاقتصادية، في إطار رؤية شاملة مندمجة ومتعددة الأبعاد.

ويبدو أن ثمار هذه الرؤية الملكية تنضج تدريجيا بعدد من حواضر الشمال، خاصة ما يتعلق بتسويق الجهة كوجهة مفضلة للاستثمارات، وذلك بفضل الجهود العمومية الحثيثة التي مكنت من وضع شبكة مواصلات متشعبة ومتعددة الانماط، تجمع بين الطرق السيارة والموانئ والمطارات وشبكة للسكك الحديدية.

المركب المينائي طنجة المتوسط :

وتتمحور هذه الرؤية حول المركب المينائي طنجة المتوسط، الذي جسد رؤية ملكية متبصرة لضمان انفتاح المملكة على العالم، ووضع المغرب ضمن خريطة التجارة الدولي، والاستفادة من شبكة الملاحة العالمية العابرة للمتوسط والمحيط الأطلسي، وتكريس موقع المغرب، وخاصة جهة الشمال، كأرضية اقتصادية محورية بين أوروبا وإفريقيا.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن صنفت المجلة المتخصصة في النقل البحري “كونتينير مانجمنت” ميناء طنجة المتوسط كأكبر ميناء بإفريقيا وال 45 عالميا، بفضل قدرته الاستيعابية لمعالجة 3 ملايين حاوية، وتحقيقه خلال العام الماضي لرقم قياسي بمعالجة 3 ملايين و 312 ألفا و 409 حاوية من حجم 20 قدما، أي أكبر ب 11 في المائة من قدرته الاستيعابية، وهو الأداء الذي مكنه من الارتقاء لستة مراتب إضافية.

إذ بعد حوالي عقد على دخوله حيز الاستغلال، صار طنجة المتوسط 1 أكبر ميناء للحاويات في القارة الإفريقية، وهي المكانة التي ستتعزز مع بدء تشغيل ميناء طنجة المتوسط 2 في عام 2019، حيث من المنتظر أن ترتفع القدرة الاستيعابية للمركب المينائي ب 6 ملايين حاوية إضافية، لتصل إلى 9 ملايين حاوية، ما يفتح الباب على مصراعيه لكي تصبح هذه الأرضية واحدة من بين الموانئ العشرين الأكبر في العالم، ومنصة رائدة في خدمة الصادرات المغربية وقطبا لتدبير التدفقات اللوجستية الدولية والتجارة العالمية.

المناطق الحرة :

بالنسبة للمناطق الحرة، فقد واصلت مجمل المناطق الحرة التابعة للوكالة الخاصة طنجة المتوسط والتي تمتد على مساحة تفوق 1300 هكتارا، استقطاب الفاعلين الدوليين المتخصصين في مجالات متعددة، حيث استقرت بها لحد الساعة ما يزيد عن 750 مقاولة مغربية وأجنبية متخصصة في التصدير برقم معاملات يفوق 5,5 مليار أورو، ساهمت في إحداث ما مجموعه 65 ألف منصب عمل، وترسيخ اقتحام المغرب لعدد من المهن العالمية الجديدة من قبيل صناعة السيارات والطائرات والطاقات النظيفة وغيرها.

فإلى جانب مصنع “رونو” الذي يعد بجعل الجهة عاصمة لصناعة السيارات بالقارة الإفريقية بفضل إنتاجه السنوي الذي يقارب 400 ألف عربة واستقرار العديد من المجهزين، تمكنت مدينة طنجة من استقطاب الرائد الدولي في الطاقات المتجددة “سيمنس غامسا”، الذي افتتح مصنعا لإنتاج شفرات وعنفات (توربينات) الطاقة الريحية، باستثمار يصل إلى 1,1 مليار درهم، وجعل المملكة بالتالي أول بلد بإفريقيا والشرق الأوسط ينتج ويصدر هذه المعدات العالية التقنية.

المدينة الجديدة المندمجة “محمد السادس طنجة تيك” :

علاوة على الشركاء الاقتصاديين التقليديين الراغبين في الاستثمار بطنجة، يفتح مشروع المدينة الجديدة المندمجة “محمد السادس طنجة تيك” الباب على مصراعيه للفاعلين الأسيويين لاغتنام الفرص المتاحة بشمال المملكة، ويتعلق الأمر بمركب صناعي وتجاري ضخم يمتد على مساحة 2000 هكتار باستثمار يصل إلى 10 مليارات دولار، كما يروم خلق 300 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر.

القطار الفائق السرعة “البراق” :

على مستوى تعزيز البنيات التحتية، ينتظر أن ينطلق خلال الفصل الأخير من عام 2018 الاستغلال التجاري للقطار الفائق السرعة “البراق”، وبداية تسيير الرحلات بين طنجة والدار البيضاء، بعد أشهر من التجارب التقنية والتشغيل التجريبي ومرور مختلف مراحل المصادقة، والتي تم خلالها تسجيل سرعة قياسية بالقارة تصل إلى 357 كلم/ساعة، حيث ينتظر أن تدخل هذه التكنولوجيا الجديدة المغرب في عهد جديد من جهود تحديث أنظمة النقل.

تغيير وجه النسيج العمراني :

الجهود التنموية تسعى إلى تغيير وجه النسيج العمراني لمدينة طنجة لجعلها بحق عاصمة متوسطية، باقتصاد قوي، وبنيات تحتية بمعايير دولية، وحركية ثقافية نشيطة، وخدمات سياحية من الطراز الرفيع، ستجعل من مدينة البوغاز وجهة مفضلة لسياحة الرحلات البحرية والترفيه.

وتميز عام 2018 بافتتاح ميناء الصيد البحري والميناء الترفيهي الجديدين، وهما المشروعان الرائدان المندرجان في إطار البرنامج المندمج لإعادة توظيف المنطقة المينائية لطنجة -المدينة، الذي رصدت له استثمارات بقيمة 6,2 مليار درهم. حيث أن الميناء الترفيهي “طنجة مارينا باي”، بأماكن رسو تسع ل 1400 قارب بعد انتهاء الأشغال، سيستقطب هواة الرحلات البحرية الراغبين في اكتشاف سحر عاصمة البوغاز، وسيشكل قاعدة مرفق ترفيهي متكامل، يضمن تثمين تاريخ مدينة طنجة العريق، وإدماج الميناء بالمدينة، والنهوض بالتنمية المراعية للبيئة.

هذا الإشعاع الدولي لمدينة طنجة وطنيا ودوليا ساهم بشكل كبير في الانتعاشة التي يشهدها قطاع السياحة خلال السنوات الماضية، فحسب الأرقام الرسمية، حل بمدينة طنجة خلال النصف الأول العام الجاري ما يناهز 300 ألف سائح، بنمو يقارب 11 في المائة مقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي، قضوا ما مجموعه 571 ألف ليلة مبيت سياحية، ما يعادل نموا مقداره 15 في المائة.

هذه الدينامية التنموية المتسارعة شملت أيضا الحواضر المجاورة لمدينة طنجة، حيث تغير وجه مدينة تطوان بفضل البرنامج المندمج للتنمية الحضرية الذي تطلب استثمارا بقيمة 5,5 مليار درهم، ويرمي إلى إرساء قواعد تنمية اجتماعية واقتصادية، وتعزيز مكانة المنطقة، وتحسين ظروف عيش السكان، فضلا عن الحفاظ على البيئة.

ويعد مشروع تهيئة سهل وادي مرتيل، الجاري تنفيذه، حجر الزاوية في هذا البرنامج الهائل، إذ سيمكن في الآن نفسه من حماية مدينتي تطوان ومرتيل من خطر الفيضانات، وتحويل ضفتي الوادي إلى منطقة حضرية كفيلة باستيعاب التوسع العمراني المستقبلي، حيث ستتم تهيئة حوالي 1600 هكتارا من الأراضي لتوفير فضاءات السكن والثقافة والترفيه والرياضة والأعمال والتجارة، وفتح مناطق للتنمية الاقتصادية والتجارية والتجهيزات الكبرى والتنشيط الثقافي والسياحي.

الحسيمة منارة المتوسط :

أما بإقليم الحسيمة، فقد بلغ برنامج الحسيمة منارة المتوسط المراحل الأخيرة لتنفيذ كل مكوناته، حيث فاقت نسبة تقدم مجمل المشاريع مع متم يونيو الماضي نسبة 95 في المائة، بينما تمت تعبئة استثمارات تصل إلى 5 مليارات و 549,5 مليون درهم، من أصل الغلاف المالي الإجمالي للبرنامج البالغ 6 مليارات و 515 مليون درهم.

ويهدف هذا البرنامج الملكي إلى دمقرطة الخدمات الاجتماعية وتعزيز خدمات القرب، مع الحرص على توزيع المشاريع بين مختلف المجالات القروية والحضرية لتقليص الفوارق داخل الإقليم، حيث تمت برمجة ما مجموعه 804 مشروعا، تم الانتهاء من 300 مشروع من بينها، بينما يوجد 504 مشروعا في أطوار متقدمة من التنفيذ.

عصرنة قطاع الزراعة :

أما بخصوص قطاع الزراعة، فقد أفادت أرقام رسمية أن الإقليم استفاد منذ عام 2009 إلى أواخر عام 2017 من 22 مشروعا، ضمن الدعامة الثانية لمخطط المغرب الأخضر وبرنامج “الحسيمة منارة المتوسط”، باستثمار إجمالي بلغ 655 مليون درهم.

بينما بإقليم وزان، يعول على مشروع المدار السقوي المرتبط بسد وادي المخازن بمنطقة أسجن، الذي ينتظر أن يكون جاهزا قبل متم العام الحالي باستثمار يصل إلى 580 مليون درهم، لإطلاق شرارة إقلاع تنموي بالمنطقة يرتكز على المؤهلات الفلاحية للإقليم، عبر تجميع وتنظيم أزيد من 5 آلاف من صغار الفلاحين، وعصرنة القطاع والرفع من قيمته المضافة من خلال إيصال مياه الري إلى أزيد من 2500 هكتار من الأراضي البورية.

كما أن إقليم العرائش يواصل تكريس مكانته كأهم سهل للإنتاج الفلاحي بشمال المغرب، حيث تتواصل الجهود الرامية إلى تطوير وتثمين الفلاحة بحوض اللوكوس، من خلال تعبئة موارد مائية سطحية جديدة وتوسيع المدارات السقوي والاعتماد على الزراعات العالية القيمة المضافة والحديثة في إطار مخطط “المغرب الأخضر” .

ولتلبية الاحتياجات المائية على المديين المتوسط والبعيد، خاصة في ظل النمو الديموغرافي المطرد والنهضة الاقتصادية والزراعية التي تشهدها مختلف أقاليم جهة الشمال، يجري تشييد أربعة سدود كبرى ذات سعة إجمالية تقارب مليار متر مكعب، والتي ستمكن من ضمان الأمن المائي بالمنطقة، ويتعلق الأمر بكل من سد غيس (إقليم الحسيمة)، وسد مرتيل (إقليم تطوان)، وسد دار خروفة وسد الخروب (إقليم العرائش)، والتي ستمكن أيضا من ري أزيد من 22 ألف هكتار من الأراضي.

وفي المجمل، تعرف مختلف القطاعات زخما تنمويا يجعل من الجهة واجهة لمغرب حديث واثق في مؤهلاته ومؤمن بطاقاته وقدراته، وعازم على الانخراط في سيرورة تنموية، اقتصادية وحضارية، تليق بمكانة المملكة بين الأمم.